ابراهيم الأبياري

339

الموسوعة القرآنية

بصيرة ، ولم نعلمه قال لهم : ارجعوا إلى جميع الفصحاء ، فإن عجزوا عن الإتيان بمثله فقد ثبتت حجتي ، بل لما رآهم يعلمون إعجازه ، ألزمهم حكمه فقبلوه وتابعوا الحق وبادروا إليه مستسلمين ، ولم يشكوا في صدقه ولم يرتابوا في وجه دلالته ، فمن كانت بصيرته أقوى ومعرفته أبلغ كان إلى القبول منه أسبق ، ومن اشتبه عليه وجه الإعجاز ، واشتبه عليه بعض شروط المعجزات ، وأدلة النبوات ، كان أبطأ إلى القبول ، حتى تكاملت أسبابه واجتمعت له بصيرته وترادفت عليه مواده . ونحن نعلم تفاوت الناس في إدراكه ومعرفة وجه دلالته ، لأن الأعجمى لا يعلم أنه معجزا إلا بأن يعلم عجز العرب عنه ، وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة . فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم وجرى مجراهم في توجه الحجة عليه . وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن ما يعرفه العالي في هذه الصنعة ، فربما حلّ في ذلك محل الأعجمىّ في أن لا يتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهى في الصنعة عنه . وكذلك لا يعرف المتناهى في معرفة الشعر وحده أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما غور هذا الشأن ما يعرف من استكمل معرفة جميع تصاريف الخطاب ، ووجوه الكلام وطرق البراعة ، فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه بعجز البارع في هذه العلوم كلها عنه . فأما من كان متناهيا في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه ، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه ، ويعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه ، ومتى علم البليغ المتناهى في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره ، لأنه كهو لأنه يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء . فالبليغ المتناهى في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن وتكون معرفته حجة عليه إذا تحدّى إلى وعجز عن مثله وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره وما الذي يصنع ذلك الغير .